حين تتحول الحرية إلى محتوى… ما الذي يحدث بعد الطلاق؟ بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي
في السنوات الأخيرة، أصبح من المألوف أن نشاهد على منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصا -سناب شات- صورا ومقاطع متتابعة لرحلات وسهرات ومطاعم وفنادق وتجارب جديدة تنشرها بعض النساء بعد الطلاق بصورة لافتة ومكثفة.
وقد يدفع هذا المشهد البعض إلى التساؤل: هل كانت الحياة الزوجية قيدا ينتظر صاحبه لحظة الانفلات منه؟
وهل أصبحت الحرية تقاس بعدد الرحلات والصور والمشاهدات؟ أم أن ما نراه ليس سوى محاولة لإعادة بناء الذات بعد تجربة عاطفية واجتماعية صعبة؟
لكن الإنصاف يقتضي منذ البداية عدم تحويل الظاهرة إلى اتهام لكل مطلقة، فالطلاق تجربة تختلف من شخص إلى آخر، كما أن السلوك الاستعراضي على وسائل التواصل لا يقتصر على النساء ولا على المطلقين.
غير أن المبالغة في إظهار حياة جديدة ومثالية بعد الانفصال تستحق القراءة الاجتماعية والنفسية، خصوصا حين تتحول المنصات إلى ساحة لإثبات السعادة بدل أن تكون مجرد وسيلة لتوثيقها.
هل انتهى الزواج من أجل السفر والسناب؟
من غير المنطقي القول إن امرأة هدمت أسرتها فقط من أجل أن تسافر أو تلتقط الصور؛ فالطلاق في الغالب نتيجة تراكمات وأسباب معقدة لا تظهر للناس.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا يشعر بعض الأشخاص بعد انتهاء الزواج بحاجة ملحّة لإعلان أنهم أصبحوا أكثر سعادة وحرية من السابق؟
هنا تبدأ منطقة مختلفة تماما.
قد تكون الرحلات حقيقية، والفرحة حقيقية، والرغبة في بدء حياة جديدة حقا مشروعا، لكن الإصرار اليومي على تصوير كل تفصيل وإرسال رسالة غير مباشرة إلى الآخرين بأن (حياتي أصبحت أجمل بعد الطلاق ) قد يحمل أحيانا دوافع أعمق من مجرد حب السفر.
قد يكون ذلك محاولة لتعويض شعور بالفقد، أو استعادة ثقة بالنفس اهتزت بعد الانفصال، أو إثبات شيء للطرف السابق، أو مواجهة نظرة المجتمع للمطلقة، أو حتى البحث عن قبول اجتماعي جديد من خلال الإعجابات والمشاهدات والتفاعل.
وهنا يصبح السؤال ليس: أين سافرت؟ بل: لمن تريد أن تثبت أنها سعيدة؟
الحرية الحقيقية لا تحتاج جمهورا
هناك فارق كبير بين أن يعيش الإنسان حياته بحرية، وبين أن يشعر بأنه مطالب يوميا بإثبات هذه الحرية للآخرين.
الإنسان المتصالح مع نفسه لا يحتاج عادة إلى تحويل كل رحلة وعشاء وهدية واحتفال إلى بيان إعلامي عن سعادته.
والحرية ليست سفرا بلا توقف، ولا سهرة، ولا فندقا فاخرا، ولا صورة أمام مرآة في مطار.
الحرية الحقيقية هي القدرة على اتخاذ قرار سليم، وتحمل مسؤولية نتائجه، وبناء حياة مستقرة نفسيا وماليا واجتماعيا، بعيدا عن الحاجة المستمرة إلى مقارنة الذات بالآخرين.
أما عندما تصبح السعادة مرتبطة بعدد المشاهدات والتعليقات، فإن الإنسان قد ينتقل من قيد علاقة انتهت إلى قيد آخر اسمه الجمهور.
هل هو نقص أم تعويض؟
لا يمكن تشخيص الناس من خلف شاشة هاتف، ومن الخطأ وصف كل مطلقة كثيرة السفر أو التصوير بأنها تعاني نقصا.
لكن علم النفس الاجتماعي يعرف سلوكا شائعا لدى البشر جميعا، وهو محاولة تقديم صورة محسّنة عن حياتهم أمام الآخرين، خصوصا بعد المرور بتجربة يعتبرونها خسارة أو فشلا أو رفضا.
فالإنسان قد يحاول بعد الانفصال أن يثبت لنفسه ولمن حوله أنه لم يخسر شيئا.
قد يقول ذلك بالكلمات، وقد يقوله بالصور.
رحلة وراء رحلة.
هدية وراء هدية.
ابتسامة وراء ابتسامة.
ومشهد يوحي بأن الحياة أصبحت مثالية.
لكن وسائل التواصل لا تنقل الحياة كاملة.
إنها تقدم الثواني التي اختار صاحب الحساب أن يعرضها، بينما تبقى بقية الساعات خارج الكاميرا.
وهذه واحدة من أكبر مشكلات عصرنا: الخلط بين الصورة والحقيقة.
الطرف الآخر من القصة: مجتمع يضغط على المطلقة.
وفي المقابل، لا يمكن مناقشة الظاهرة من دون الاعتراف بأن المجتمع نفسه يتحمل جزءا من المسؤولية.
فالمطلقة في بعض البيئات تواجه أسئلة ومراقبة وتفسيرات لا يتعرض لها الرجل بالقدر نفسه.
لماذا تطلقت؟
هل ندمت؟
هل ستتزوج مرة أخرى؟
لماذا خرجت؟
مع من سافرت؟
كيف تعيش؟
هذه الضغوط قد تدفع بعض النساء إلى المبالغة في إظهار القوة والاستقلال والسعادة، وكأنها في مواجهة يومية مع محكمة اجتماعية غير معلنة.
وبذلك يصبح الاستعراض أحيانا رد فعل على الوصمة الاجتماعية، وليس سببا للطلاق.
ولهذا فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى عدالة في الحكم، لا إلى التعميم.
الخطر الأكبر: حين يصبح الطلاق نفسه [صورة جذابة]
المشكلة المجتمعية الحقيقية تبدأ عندما تقدم بعض الحسابات الحياة بعد الطلاق وكأنها انتقال تلقائي من المسؤولية والقيود إلى السفر والرفاهية والاستقلال الكامل.
قد تشاهد فتاة صغيرة أو زوجة تمر بخلاف عابر سلسلة من الصور المبهرة، فتقارن واقع بيتها، بما فيه من مسؤوليات وأطفال وضغوط يومية، بمشهد مصمم بعناية على وسائل التواصل.
لكن المقارنة هنا غير عادلة.
هي تقارن حياتها كاملة بأفضل ثلاثين ثانية من حياة شخص آخر.
ومع تكرار هذه الصور قد تتكون لدى البعض فكرة خطيرة مفادها أن الزواج عبئ، وأن الاستقلال الحقيقي لا يبدأ إلا بعد إنهائه.
وفي الطرف المقابل، هناك من يصور الزواج نفسه بصورة مثالية زائفة أيضا.
والنتيجة واحدة: جيل يقارن حياته الواقعية بصور غير واقعية.
الأطفال هم الحلقة التي يجب ألا ننساها
إذا كان هناك أطفال من الزواج السابق، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية.
فالطفل الذي يعيش انفصال والديه لا يحتاج إلى حرب إلكترونية غير معلنة بينهما حول من أصبح أكثر سعادة بعد الطلاق.
لا يحتاج أن يرى والدته تحاول إثبات أنها لم تتأثر، أو والده يتعمد استعراض حياة جديدة لإغاظتها.
يحتاج إلى والدين ناضجين يدركان أن العلاقة الزوجية انتهت، لكن الأبوة والأمومة لم تنتهيا.
وعندما تتحول الحسابات الشخصية إلى مسرح للرسائل غير المباشرة بين المطلقين، فقد يكون الطفل أول من يدفع الثمن نفسيا واجتماعيا.
من يدفع ثمن ثقافة الاستعراض؟
لا تقتصر آثار هذه الثقافة على المطلقات أو المطلقين، بل تمتد إلى المجتمع كله.
فالاستعراض المستمر للرفاهية والسفر والحياة الخالية من المسؤوليات قد يخلق حالة من عدم الرضا لدى الأسر المستقرة.
وقد يبدأ الزوج أو الزوجة بمقارنة حياته بما يشاهده.
فلانة تسافر طوال الوقت. فلان يعيش حياته بعد الطلاق.
لماذا نحن محاصرون بالمصاريف والأطفال والعمل؟
ومع الوقت تتحول المقارنة إلى تذمر، ثم إلى شعور بأن الحياة العادية فشل، بينما الحقيقة أن الحياة الطبيعية تتكون من مسؤوليات وأيام جميلة وأيام صعبة، وليس من سلسلة متواصلة من الفنادق والمطارات والمطاعم.
الطلاق ليس انتصارا ولا هزيمة
من أكثر المفاهيم التي نحتاج إلى تصحيحها أن الطلاق ليس بطولة ولا عارا.
قد يكون في بعض الحالات قرارا ضروريا وصحيحا يحمي الطرفين أو الأطفال من حياة مؤذية، وقد يكون في حالات أخرى نتيجة قرار متسرع كان يمكن إصلاح أسبابه.
لكن تحويله إلى معركة من انتصر بعد الانفصال؟
هو اختزال مؤسف لتجربة إنسانية معقدة.
ليس المطلوب من المطلقة أن تظهر حزينة حتى يقتنع المجتمع بأنها كانت تحترم زواجها، كما أنه ليس مطلوبا منها أن تثبت العكس عبر استعراض مستمر للسعادة.
الأجمل أن تعيش حياتها دون أن تجعل الآخرين لجنة تقييم لها.
والأمر نفسه ينطبق على الرجل.
ماذا نحتاج كمجتمع؟
نحتاج أولا إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الخصوصية.
ليس كل ما نعيشه يجب أن يتحول إلى محتوى.
وليس كل شعور يحتاج إلى جمهور.
وليس كل إنجاز يحتاج إلى كاميرا.
ونحتاج أيضا إلى أن تتوقف بعض الحسابات عن تقديم العلاقات الأسرية والطلاق والزواج على أنها منتجات ترفيهية لجذب المشاهدات.
كما أن المؤسسات الإعلامية والتربوية وصناع المحتوى يتحملون مسؤولية نشر وعي أكبر حول الفرق بين الحياة الحقيقية والحياة المنتقاة على وسائل التواصل.
وعلى الأسرة أن تعلم أبناءها منذ الصغر أن قيمة الإنسان لا ترتفع بعدد متابعيه، وأن السعادة لا تقاس بعدد المدن التي زارها، ولا بعدد الصور التي نشرها.
أما عند وقوع الطلاق، فمن الأفضل للطرفين منح أنفسهما مساحة هادئة لإعادة ترتيب الحياة بعيدا عن المنافسة الرقمية وإرسال الرسائل غير المباشرة.
وقد تكون الاستشارة الأسرية أو النفسية بعد الانفصال في بعض الحالات أكثر قيمة من رحلة جديدة؛ لأن تغيير المكان لا يعني دائما علاج ما حدث في الداخل.
السؤال الذي يستحق أن نسأله
في النهاية، القضية ليست في سفر المطلقة، فالسفر حق لها كما هو حق للرجل.
وليست المشكلة في تصوير لحظة جميلة أو مشاركة تجربة ممتعة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الحياة كلها إلى عرض مستمر يهدف إلى إثبات أن صاحبها سعيد، وأن من خرج من حياته هو الخاسر.
وحينها يجب أن نسأل:
هل نحن نعيش اللحظة فعلا، أم نعيشها لكي يراها الآخرون؟
وهل أصبحت بعض قراراتنا الاجتماعية والعاطفية تصنع من أجل الحياة التي نريدها، أم من أجل الصورة التي نريد أن يراها الناس عنا؟
إن الأسرة لا يجب أن تتحول إلى قيد، لكنها كذلك ليست مشروعا مؤقتا نتخلى عنه عندما تصبح حياة الآخرين على الشاشة أكثر إغراء.
والطلاق، عندما يكون ضروريا، ينبغي أن يكون بداية ناضجة لحياة مختلفة، لا بداية سباق على إثبات من أصبح أكثر سعادة.
لأن الإنسان الذي وجد سلامه فعلا، غالبا لا يحتاج أن يقنع العالم كله بأنه وجده.

