عشرة أيام بين الأمل والوداع… معاذ لم يمت وحده .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي
لم تكن الأيام العشرة التي قضاها الشاب معاذ بن ماجد القاضي، ذو العشرين عاما، على سرير العناية المركزة مجرد أيام علاج، بل كانت عشرة أيام من الدعاء، والدموع، والرجاء، والانتظار.
عشرة أيام كانت أسرته تستيقظ فيها على أمل جديد، وتنام على أمنية واحدة: أن يفتح معاذ عينيه، أن يبتسم، أن يقول كلمة واحدة تطمئن بها قلب أمه، وأن ينهض ليعود إلى حياته التي لم تبدأ بعد.
لكن القدر كان قد كتب نهاية أخرى.
لم يكن والده يرى أجهزة العناية المركزة، بقدر ما كان يرى ابنه الذي كبر أمام عينيه، وتذكر خطواته الأولى، ويوم دخوله المدرسة، ويوم نجاحه، وضحكاته التي كانت تملأ المنزل. كان يقف أمام باب العناية عاجزا عن فعل شيء سوى الدعاء، متشبثا بالأمل حتى آخر لحظة.
أما والدته، فكانت تعيش أصعب امتحان يمكن أن تواجهه أم. كانت كل حركة داخل غرفة العناية تبعث في قلبها أملا، وكل خروج لطبيب يجعل قلبها يخفق خوفا من الخبر الذي كانت تخشى سماعه. كانت تتمنى أن تتحمل الألم كله عنه، وأن تعود به الأيام إلى ما قبل تلك اللحظة التي ركب فيها ذلك الدباب.
وعاش إخوته وأقاربه وأصدقاؤه الأيام نفسها؛ يتبادلون الأخبار، ويتمسكون بأي تحسن بسيط، ويرددون: إن شاء الله يقوم بالسلامة.
لكن بعد عشرة أيام من الصراع، رحل معاذ، وترك خلفه صدمة لن تمحى من قلوب من أحبوه.
ورغم أن الحادث انتهى بوفاة معاذ، إلا أن قصته لم تنته عند هذا الحد.
فمعاذ ليس أول ضحية، ولن يكون الأخير إذا بقيت الأمور كما هي.
إنه واحد من عشرات الشباب الذين فقدوا حياتهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة بسبب دبابات [الكفرين] التي تؤجر في كثير من الأحيان دون التحقق من وجود رخصة قيادة، ودون التأكد من مهارة قائدها، ودون اشتراطات كافية لوسائل السلامة.
كم شابا يرقد اليوم في العناية المركزة بسبب حادث مشابه؟
وكم شابا فقد ساقه أو ذراعه؟
وكم أسرة تبدلت حياتها في لحظة بسبب قرار تهور أو بسبب غياب التنظيم والرقابة؟
المشكلة ليست في الدباب نفسه، وإنما في الفوضى التي تحيط باستخدامه. فمن غير المقبول أن تسلّم مركبة بهذه الخطورة إلى شخص لا يحمل رخصة، أو لا يمتلك أدنى مهارات القيادة، أو لا يرتدي وسائل الوقاية الأساسية، وكأن الأمر لعبة لا يترتب عليها ثمن.
إن قصة معاذ ليست قصة عائلة واحدة، بل هي رسالة لكل أسرة، ولكل مسؤول، ولكل صاحب منشأة تمارس تأجير هذه الدراجات.
فالترفيه لا ينبغي أن يكون على حساب الأرواح، والربح لا يجوز أن يسبق مسؤولية حماية الإنسان.
ومن هنا، فإننا نناشد الجهات المختصة باتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل منع تأجير الدبابات لغير الحاصلين على رخص قيادة، وتشديد الرقابة على منشآت التأجير، وفرض عقوبات رادعة على كل من يخالف الأنظمة أو يتسبب في تعريض حياة الآخرين للخطر.
كما نناشد وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد أن تجعل من هذه القضية محورا للتوعية عبر منابر الجمعة، فكم من كلمة صادقة قد تمنع شابا من التهور، وكم من خطبة قد تدفع ولي أمر إلى حماية ابنه، وكم من تذكير بحرمة النفس الإنسانية قد يكون سببا في إنقاذ حياة.
لقد رحل معاذ، ولن تعيده الكلمات، لكن ربما تستطيع قصته أن تنقذ شابا آخر، وتمنع أما أخرى من أن تعيش ذلك الانتظار القاسي أمام غرفة العناية المركزة، أو أبا آخر من أن يعود إلى منزله وهو يحمل شهادة وفاة ابنه بدلا من أن يحتضنه.
رحم الله معاذ بن ماجد القاضي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم والديه وأسرته الصبر والسلوان.
ويبقى السؤال الذي يجب أن نواجهه جميعا:
كم (معاذا) آخر سنفقد قبل أن تتحول هذه المأساة إلى قضية تحظى بما تستحقه من تنظيم وحزم، حماية لأرواح شبابنا وأطفالنا.


