الكتاب

​[ رسائل بالتقسيط ] .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي

​في عالم الواتساب هناك فئة لا تؤمن بالجمل الكاملة، بل تؤمن بالتقسيط المريح للكلمات فتجدها تبدأ برسالة من كلمة واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم وجه تعبيري، ثم تصحيح، ثم تتمة .. في الوقت الذي كان يمكن أن تُكتب في سطر واحد وتكفي من إزعاج سلسلة طويلة من الإشعارات.

​لكن ما الذي يدفع بعض الناس إلى الكتابة بهذه الطريقة؟ وهل هي مجرد عادة، أم أن وراءها تفسيرًا نفسيًا؟

​يمكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها نوع من الاندفاع فصاحبها لا يفكر ثم يكتب، بل يكتب كما يفكر، أو ربما (ثم يفكر).

الفكرة تخرج من رأسه مباشرة إلى زر الإرسال دون أن تمر بمحطة مراجعة أو إعادة.

​وقد يكون وراء هذا الأسلوب ميلٌ خفي إلى قيادة مسار الحوار أكثر من كونه مجرد طريقة في الكتابة .. فالمُرسِل في هذه الحالة يريد أن يحجز مساحة فورية من انتباهك، ويخشى أن يتأخر في صياغة فقرة كاملة فتفقد الفكرة -باعتقاده- بريقها فيلجأ إلى التقسيط المريح للكلمات.

​المفارقة المضحكة المبكية تكمن في لحظات (جاري الكتابة) التي تظهر وتختفي بين تلك الرسائل المتلاحقة، فبينما تحبس أنفاسك بانتظار البيان الختامي الذي يبرر هذا الهجوم الإشعاري، تكتشف أن المكتوب بعد طول انتظار مجرد تصحيح لخطأ إملائي في الرسالة الثالثة!

​ولعل أكثر ما يضاعف أثر هذه العادة أنها لا تزعج صاحب الهاتف وحده، بل تمتد إلى غيره خصوصًا إذا وافق وصول هذا الوابل من الإشعارات وجودك في الصلاة، أو في مجلس، أو مناسبة اجتماعية، أو حتى خلال اجتماع عمل .. حينها لا يتحول الإزعاج إلى ضجر فحسب، بل إنه يوقع صاحب الهاتف في حرج مع من حوله.

​أما الفصل الأخير من هذه المسرحية، فهو ذلك الذي لا يكتفي بسلسلة الرسائل تلك، بل يتبعها مباشرة باتصال من التطبيق نفسه، لدفعك إلى قراءة رسائله حالًا! فتحوقل بعدها وتسترجع، وتصرخ في أعماقك: يا صبر أيوب!

​الأمر في الحقيقة بات يستنزف الصبر ويستفز الأعصاب، ويبدو أننا بحاجة إلى مراجعة بعض عاداتنا في التواصل الرقمي، فبعض ما نراه أمرًا عاديًا قد يكون مصدر إزعاج للآخرين، والرسالة الواحدة المتكاملة تظل أبلغ من عشر رسائل متفرقة، كما أن احترام وقت الناس وهدوئهم، والحفاظ على سكينة مجالسهم وخشوع صلاتهم، هو من أسمى صور الرقي والاحترام.

*​اعتراف: أنا أفعلها أحيانًا ،،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى