سوق ربوع قريش بالأطاولة .. حكاية سوق ما زال ينبض بالحياة

لم تكن الأسواق مجرد أماكن للبيع والشراء بل كانت ملتقى للأهالي، ومجلس للقبائل، ومنبر للشعر، ومكان تُحل فيه الخلافات وتُعقد فيه الصداقات ، وكانت الأسواق قلب المجتمع، وكل أسبوع ينتظر الناس يومه بفارغ الصبر.
وفي منطقة الباحة كانت الأسواق تتنقل من مكان إلى مكان بحسب أيام الأسبوع وكل سوق له يومه المعروف ، فمن الأمثلة لا الحصر للأسواق في منطقة الباحة في القطاع التهامي سوق الخميس بالشعراء ،وسوق الثلاثاء بالمخواة، وسوق الأحد بقلوة ، وفي الحجاز سوق الخميس بالعقيق ،وسوق السبت في بلجرشي، وسوق الخميس في الباحة، وسوق الأحد في رغدان، وسوق ربوع قريش في الأطاولة، وسوق سبت النقعة في بني حسن، وسوق ربوع الصفح في بلخزمر، وسوق السبت في المندق، وسوق الخميس بدوس بني فهم في برحرح، ثم تمتد الرحلة إلى سوق الربوع في القريع، وسوق الخميس بصيادة بني مالك ،حتى تصل إلى سوق عكاظ التاريخي ثم مكة.
وهذا التنقل لم يأتي عبثا ً، بل كان يخدم التاجر وصاحب القافلة والمتسوق، حيث يمكنه التنقل من سوق إلى سوق يبيع ويشتري ويتعرف على الناس، وتستمر القوافل في رحلتها من اليمن مرورًا بالحجاز وتهامة وصولًا مكة والمدينة إلى الشام والعراق.
والأجمل من ذلك أن لكل سوق نظامًا يُعرف بـ”الشدة والعقود”، وهي بمثابة قوانين واتفاقيات تضمن الأمن وتحفظ الحقوق للتاجر والمتسوق حتى وصل الأمر بأن الطير في السماء يمر فوق السوق وهو آمن وفي ذلك دلالة واضحة على مكانة هذه الأسواق وهيبتها.
وفي الأسواق كتب الشعراء القصيد ، ومنها ماكتبه الشاعر الكبير محمد بن ثامرة -رحمه الله- فكان يحيي الأسواق ويمدحها ويصف ما لها من مكانة وإحترام بين الناس مما يؤكد أنها لم تكن مجرد أسواق بل كانت جزءًا من الهوية الاجتماعية والثقافية للمنطقة.
فقال في سوق الشعراء:
يا سلام الله على سوق(ن) عقوده فالقسا واللين
وقال في سوق النقعة ببني حسن :
يا سلام الله على سوق(ن) نحبه في وكادنا
ويقول في سوق ربوع الصفح:
حيا الله سوقً عقيد طالب الشر فيه ينكره
وقال في سوق رغدان:
حيالله سوقً رقبه الغامدي ما اسوى رقابنا
ويقول في أحد الأسواق:
يا سلام الله على سوق تنصا في منا السلطان
وكذلك يقول في أحد الأسواق :
حيَ سوق (ن) حماه الله وضرب المشوك له فجور
وبعد هذه الجولة في تاريخ الأسواق نعود إلى سوق ربوع قريش بالأطاولة كأحد أبرز الأسواق التاريخية في المنطقة، والذي عاد للحياة بجهود أهالي بلدة الأطاولة الذين أعادوا ترميمه وإحياءه حتى أصبح اليوم يحتضن مهرجانًا تراثيًا وثقافيًا يقام هذا العام في نسخته التاسعة، وبدعم ومباركة من إمارة منطقة الباحة ليصبح إحدى الوجهات السياحية المميزة في المنطقة.
ومن يزور السوق اليوم يشعر وكأنه عاد عقوداً من الزمن إلى الوراء ،فكل زاوية تحكي قصة فتجد البيوت والحصون القديمة ،وتشاهد أدوات الزراعة والفلاحة ؛ وتتعرف على أساليب المعيشة التي عاشها الأجداد، وكيف كانوا يبنون منازلهم من مواد البيئة المحيطة بهم، في صورة تعكس حضارة أصيلة وعراقة ممتدة، ويعد السوق الآن همزة وصل بين جيلين جيل عاشه في السابق وجيل يعيشه اليوم ليتعرف على الحياة في الماضي.
ولم يقتصر الأمر على المباني بل امتلأ السوق بالحرفيين، والفنون الشعبية، والرقصات التراثية، والأكلات المحلية، والعادات والتقاليد التي تمنح الزائر تجربة متكاملة يعيش من خلالها تفاصيل الحياة القديمة بكل جمالها وبساطتها.
أخيرتي: يبقى الأمل كبيرًا بأن تتبنى إمارة منطقة الباحة، بالتعاون مع وزارة الثقافة ووزارة السياحة وهيئة التراث، مشروعًا وطنيًا لحصر الأسواق والقرى التاريخية في المنطقة، والعمل على ترميمها وتأهيلها، لتكون وجهات سياحية وثقافية تحفظ تاريخ المنطقة، وتنقله للأجيال القادمة، وتجعله حاضرًا في ذاكرة كل زائر.
عالي بن أحمد الزهراني
باحث ومهتم بالموروث والآثار



