صخبٌ يرمم الروح .. بقلم | نبيلة السهلي

بقلم | نبيلة السهلي
في زحام الحياة وضجيج اليوميات المتسارعة، كثيرًا ما نلجأ إلى البحث عن الهدوء، كأنه ملاذنا الوحيد من الإرهاق؛ فنغلق الأبواب، ونطارد السكون، وننزعج من أدنى صوت قد يقطع علينا خلوتنا. لكننا، في غمرة هذا البحث عن الهدوء، قد نغفل عن حقيقة إيمانية وإنسانية عميقة: أن بعض الصخب ليس مجرد ضوضاء عابرة، بل هو نغمة من نعم الله الخفية، لا يستشعر جمالها إلا قلب يعرف كيف يتأمل العطاء الإلهي.
صخب الأطفال، وضحكاتهم المتصاعدة، ووقع أقدامهم الصغيرة وهي تركض في أرجاء البيت، قد يراه البعض إزعاجًا يربك السكون، لكنه في جوهره صوت الحياة في أبهى صورها؛ فرحٌ خالص لم تلوثه حسابات الكبار، وبراءة تملأ زوايا المكان دفئًا وحيوية.
قد يقف العقل عند حدود الصوت وتداخل الأصوات، أما الروح الحية فتتجاوز الأثر السمعي لتستشعر القيمة الكامنة خلفه؛ فتدرك أن هذا الضجيج البسيط ينطق بالصحة والبهجة والأمان الذي يرفل فيه البيت، ويذكّرنا بأن الدار عامرة، وأن الأمل يتجدد تحت سقفها مع كل ضحكة وكل حركة.
إن نعمة أصوات الأطفال وإزعاجهم الجميل لا يستشعر حلاوتها إلا من امتلك بصيرة ترى ما وراء التفاصيل الصغيرة؛ أولئك الذين يدركون أن الهدوء المطلق قد يكون أحيانًا حزينًا وموحشًا في بيوت غابت عنها أصواتهم وحركتهم.
فالصخب المحفوف بالبراءة ليس مجرد ضوضاء، بل هو نبض البيت الحقيقي، وشغفه المتجدد، والصوت الذي يعيد إلى أرواحنا ما أرهقته مشاق الأيام. وربما لا ندرك قيمة هذه الأصوات إلا حين نفتقدها، فنشتاق إلى ضحكة كانت تملأ المكان، وخطوات صغيرة كانت تصنع في البيت حياة كاملة.
فلنحمد الله على هذا الصخب الجميل، ولنتعلم أن ننصت إلى بهجته بحب وصبر؛ فهو نغمة قد لا تدوم طويلًا، لكن أثرها يبقى عالقًا في الذاكرة، محفورًا في جدران البيوت وفي أعماق الأرواح.
فبعض الضجيج لا يزعج الروح… بل يرممها.

