الكتاب

حين يخاف الظلام من ولادة الضوء .. بقلم | جواهر العامري

بقلم | جواهر العامري

هناك أناس لا يحزنهم سقوطهم بقدر ما يسعدهم سقوط غيرهم، لا يشغلهم أن يصعدوا بل أن يبقى الآخر في الأسفل، لا يتعبون في صناعة مستقبلهم، وإنما يستنزفون أعمارهم في مراقبة مستقبل سواهم.

الحاسد لا يعيش حياته… بل يعيش حياة ضحيته.

يستيقظ على أخبارها، وينام وهو يعدّ إنجازاتها، ويحسب خطواتها أكثر مما يحسب أنفاسه، يخاف أن يبتسم ذلك الإنسان؛ لأن ابتسامته إعلان هزيمة لكل ما بناه الحاسد من أوهام، ويخشى أن يفتح الله عليه بابًا جديدًا؛ لأن كل باب يُفتح للمحسود يغلق بابًا من راحة الحاسد.

إنه أسير نعمة ليست عنده، وسجين نجاح لم يصنعه.

ولذلك لا يرى في النعم فضلًا من الله، بل يراها امتيازًا لا يستحقه غيره، وكأن خزائن الرحمن قد أوكلت إليه، يقرر من يُعطى ومن يُحرم.

قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فالحسد في جوهره ليس اعتراضًا على الناس، بل اعتراض على قسمة الله، وكأن الحاسد يقول بلسان حاله: لماذا اختار الله غيري؟

وما أشد بؤس الإنسان حين يحارب أقدار السماء.

العجيب أن الحاسد نادرًا ما يكشف وجهه الحقيقي، فهو يدرك أن الشر الصريح يُرفض، فيغلفه بورق المجاملة، يقترب منك باسم المحبة، ويبتسم باسم الصداقة، ويسأل عن أحوالك باسم الاهتمام، بينما قلبه منشغل بسؤال واحد: هل ما زالت نعمته قائمة؟

قد لا يراك إلا دقائق، لكنه يراقبك شهورًا.

وقد لا يحدثك كثيرًا، لكنه يعرف عنك أكثر مما يعرفه المقربون منك.

ليس حبًا… بل ترقبًا.

وليس اهتمامًا… بل انتظارًا للحظة يتسلل فيها الفشل إلى حياتك.

إنه يشبه من يقف كل ليلة أمام شجرة مثمرة، لا ليأكل من ثمارها، وإنما ينتظر أن تذبل أوراقها.

ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، لأن الحسد إذا استقر في القلب لم يعد مجرد شعور، بل يتحول إلى مشروع أذى، وإلى أمنيات خفية بزوال النعم، وربما إلى سعي لإفساد العلاقات، وتشويه السمعة، وإيقاف النجاح، وإطفاء كل نور يسطع في حياة الآخرين.

وقال رسول الله ﷺ: (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.(

إنه المرض الوحيد الذي يتألم فيه صاحبه كلما رأى الناس بخير.

والمفارقة أن المحسود قد ينام قرير العين، بينما الحاسد يسهر يحصي أخباره، ويجمع تفاصيله، ويقلق من كل خطوة يخطوها إلى الأمام، إنه يرهق نفسه في معركة لا يعلم المحسود أصلًا أنها قائمة.

لكن سنة الله لا تتبدل.

فكم من متربصٍ عاد عليه تربصه، وكم من ماكر أحاط مكره بعنقه، وكم من عين امتلأت بالحسد فلم تر إلا خيبة ما كانت تخطط له.

قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

إن الدفاع الإلهي لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى انتقام البشر، يكفي أن يتولى الله الأمر، فمن تولاه الله بالحفظ فلن تضره نظرة حاقد، ولا كلمة حاسد، ولا كيد متربص.

ولعل أعظم انتقام من الحاسد ليس أن يبتلى، وإنما أن يبقى أسير قلبه؛ لا يذوق طعم الرضا، ولا يعرف معنى الطمأنينة، ولا يهنأ بنعمة بين يديه، لأنه منشغل بما في أيدي الناس.

أما المحسود، فإن عليه ألا يلتفت كثيرًا إلى الظلال، فالشمس لا تتوقف عن الشروق لأن أحدهم يكره نورها، والبحر لا يجف لأن عابرًا ضاق باتساعه، والنجوم لا تنطفئ لأن الظلام يرفض وجودها.

وهكذا هي أرزاق الله…

لا يمنعها حاسد، ولا يطفئها حاقد، ولا يغير مسارها متربص.

فما كتبه الله لك سيأتيك، ولو اجتمع أهل الأرض على منعه، وما لم يكتبه لك فلن يمنحه لك أحد، لأن الأمر كله لله، والفضل كله لله، والنصر كله لله.

ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه الحاسد أبدًا:

كيف يطلب السعادة من قلبٍ بنى راحته على تعاسة الآخرين؟

وأخيرًا..

لستُ أزعم أن هذا المقال يصف أحدًا بعينه؛ لكنه مرآة، فمن رأى فيها قبحًا فليس العيب في المرآة، بل فيما انعكس عليها، والله سبحانه يمهل الظالم والحاسد، لكنه لا يهمل، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى