الكتاب

دبابات «الكفرين».. متى نوقف نزيف الأرواح؟ .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي

في كل مرة نقرأ خبرا عن وفاة شاب أو إصابة طفل بإعاقة دائمة بسبب حادث دراجة نارية، نعتقد أنها حادثة فردية عابرة، لكن الحقيقة المؤلمة أن ما يحدث اليوم أصبح ظاهرة تستحق أن تُعامل كقضية مجتمع وقضية أمن وسلامة عامة.

ففي الشوارع والمنتزهات والاستراحات، بات من المعتاد مشاهدة أطفال ومراهقين يقودون دبابات «الكفرين» بسرعات عالية، وبعضهم لا يتجاوز عمره الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، والأخطر من ذلك أن كثيرا منهم يحصل على هذه الدراجات عن طريق التأجير دون وجود رخصة قيادة أو تدريب أو حتى إدراك لحجم المخاطر التي قد تنتهي في ثوانٍ بمأساة إنسانية.

الأرقام وحدها كفيلة بإطلاق جرس الإنذار.

فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، تعد الحوادث المرورية السبب الأول للوفاة بين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 عاما، وهي الفئة العمرية التي تمثل عماد المستقبل وأمل التنمية في أي مجتمع. كما أن الحوادث المرورية تتسبب في وفاة نحو 1.19 مليون شخص سنويا حول العالم.

وفي المملكة العربية السعودية، ورغم النجاحات الكبيرة في خفض الوفيات المرورية بنسبة تقارب 35% خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الحوادث ما زالت تحصد آلاف الأرواح؛ إذ سجلت المملكة 6,651 حالة وفاة مرورية في عام 2021، بعد أن كانت 9,311 حالة في عام 2016.

وتشير بيانات وزارة الصحة السعودية إلى أن الفئة العمرية من 19 إلى 30 عاما تسجل أعلى معدلات الإصابات والوفيات الناتجة عن الحوادث المرورية مقارنة ببقية الفئات العمرية، ما يعني أن أكثر من يدفع الثمن هم الشباب الذين يفترض أن يكونوا في مقاعد الدراسة والجامعات وسوق العمل وبناء أسرهم ومستقبل وطنهم.

أما الدراسات الطبية المتعلقة بحوادث الدراجات النارية في المملكة فتؤكد أن الإصابات الدماغية والكسور المتعددة وبتر الأطراف والإعاقات الدائمة من أكثر النتائج شيوعا بين المصابين، وأن الشباب الذكور هم الفئة الأكثر عرضة لهذه الحوادث.
خلف كل رقم قصة موجعة.

هناك أب ينتظر ابنه خارج غرفة العناية المركزة منذ أسابيع، وأم فقدت فلذة كبدها في لحظات، وشاب كان يخطط لمستقبله فإذا به يقضي بقية حياته على كرسي متحرك، وآخر فقد ذراعه أو ساقه بسبب لحظات تهور كان يمكن منعها لو وجدت أنظمة أكثر صرامة ورقابة أكثر حزما.

المشكلة ليست في الدراجات النارية بحد ذاتها، بل في الفوضى التي تحيط بها؛ تأجير لغير المرخصين، وغياب التحقق من العمر النظامي، وعدم الالتزام بوسائل السلامة، وضعف الرقابة على بعض أنشطة التأجير.

ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة، من أبرزها:

*منع تأجير الدبابات لأي شخص لا يحمل رخصة قيادة سارية.

*فرض عقوبات وغرامات رادعة على المنشآت المخالفة.

*وضع اشتراطات نظامية واضحة لتنظيم نشاط تأجير الدراجات النارية.

*منع قيادة الدراجات النارية من قبل الأطفال وصغار السن.

*إلزام مستخدميها بوسائل السلامة المعتمدة.

*تكثيف الحملات الميدانية والرقابية في المواقع التي تنتشر فيها هذه الظاهرة.

كما أننا نناشد وزارة الشؤون الإسلامية والاوقاف بتكثيف رسائل التوعية عبر منابر الجمعة وخطب المساجد، فحفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، والتوعية بخطورة تمكين الأطفال وغير المؤهلين من قيادة هذه المركبات واجب ديني ومجتمعي لا يقل أهمية عن أي جهد تنظيمي أو رقابي.

إن أرواح أبنائنا ليست أرقاما تضاف إلى الإحصائيات، بل هي أحلام ومستقبل وأسر ومجتمع بأكمله. وكل يوم نتأخر فيه عن معالجة هذه الظاهرة قد يعني جنازة جديدة، أو سريرا آخر في العناية المركزة، أو شابا يفقد مستقبله إلى الأبد.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كل أب وكل أم:

كم روحا أخرى يجب أن نفقد حتى ندرك أن دبابات «الكفرين» لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل قضية تستوجب تدخلا عاجلا وحاسما لحماية أبنائنا ومستقبل وطننا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى