الكتاب

رحلة ابن بطوطة… أم رحلة زواج؟ .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي

لو عاد الرحالة الشهير ابن بطوطة إلى عصرنا، لربما استبدل رحلاته الطويلة عبر القارات برحلة أخرى أكثر مشقة وتعقيدا.
رحلة البحث عن الزواج.

فما كان يوما خطوة طبيعية لبناء أسرة، أصبح اليوم مشروعا ماليا ضخما، يحتاج إلى ميزانية قد لا يستطيع توفيرها إلا أصحاب الدخول المرتفعة، بينما يقف آلاف الشباب على أبواب الأحلام، عاجزين عن عبورها بسبب تضخم التكاليف وارتفاع سقف التوقعات.

لم يعد الأمر يقتصر على المهر، بل أصبح يبدأ بقائمة طويلة من الالتزامات: مهر مرتفع، وشبكة باهظة الثمن، وقاعة أفراح فاخرة، وولائم ضخمة، ومصورون محترفون، وفساتين بمبالغ خيالية، وديكورات، وهدايا، ومطربون وشهر عسل خارج البلاد، ثم منزل مؤثث بأحدث الأثاث والأجهزة، وسيارة، إلى جانب إيجارات أو أقساط إسكان، قبل أن تبدأ رحلة المصروفات الشهرية التي لا تنتهي.

وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت هذه المطالب تشكل عبئا ثقيلا على كثير من أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، حتى بات بعضهم يؤجل الزواج سنوات طويلة، بينما يقرر اخرون العزوف عنه، ليس لعدم الرغبة في تكوين أسرة، بل لأنهم لا يملكون ثمن الدخول إليها.

هل سيقتصر الزواج على طبقة الأغنياء؟

إنه سؤال يفرض نفسه بقوة.

فإذا بقيت متطلبات الزواج تتصاعد بهذا الشكل، وإذا استمرت المظاهر الاجتماعية في فرض نفسها، فقد يصبح الزواج امتيازا للأثرياء، بينما يتحول إلى حلم بعيد المنال لبقية أفراد المجتمع.

ولا شك أن المال عنصر مهم في بناء الأسرة، لكنه لا ينبغي أن يكون المعيار الأول أو الوحيد عند اختيار شريك الحياة.

ومن الظواهر التي بدأت تبرز في السنوات الأخيرة أن بعض الفتيات أصبحن يضعن الثراء في مقدمة معايير الاختيار، متأثرات بما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي من حياة مترفة، وسفر فاخر، وهدايا ثمينة، وسيارات فارهة، حتى أصبحت الصورة الرقمية عند البعض أهم من حقيقة الإنسان نفسه.

ومع ذلك، فإن هذا لا ينطبق على جميع الفتيات، فالكثيرات ما زلن يقدمن الدين، والأخلاق، وحسن المعاملة، والتوافق الأسري على المال.

لقد صنعت منصات التواصل الاجتماعي واقعا افتراضيا يدفع الكثيرين إلى المقارنة والتقليد، وأصبح البعض يقيس نجاح الزواج بحجم الحفل وعدد الحضور وقيمة الهدايا، بينما يغيب السؤال الأهم: هل هذا الزواج قائم على التوافق والاحترام والمسؤولية؟

وللأسف، أثبت الواقع أن هناك زيجات بنيت على المال وحده، ثم انهارت عندما ظهرت الفوارق في الطباع والقيم والقدرة على التفاهم.

وفي مثل هذه الحالات يكون الثمن باهظا، ليس على الزوجين فقط، بل على الأطفال الذين يجدون أنفسهم ضحايا للانفصال، يعيشون بين بيتين، ويتحملون آثارا نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات.

ولا يعني ذلك أن الغني لا يصلح زوجا، أو أن الزواج من صاحب الثراء محكوم عليه بالفشل، فهناك أسر مستقرة وسعيدة بين الأغنياء كما هي بين متوسطي ومحدودي الدخل. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المال هو المعيار الوحيد، وتُهمش الأخلاق، والتوافق الفكري، والاحترام المتبادل، والقدرة على تحمل مسؤوليات الحياة الزوجية.

ولذلك، فإن قصص الطلاق التي شهدها المجتمع بسبب سوء الاختيار، أو تغليب المصلحة المادية على بقية المعايير، أصبحت كثيرة ومتداولة، ونتائجها لا تقف عند حدود الانفصال، بل تمتد إلى تشتيت الأسر، وتأثيرها على الأبناء، وزيادة المشكلات الاجتماعية.

نحو ثقافة زواج أكثر وعيا

إن معالجة هذه القضية لا تكون بإلقاء اللوم على طرف دون اخر، وإنما تحتاج إلى مراجعة مجتمعية شاملة.

فنحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة الزواج الميسر، وتقليل المغالاة في المهور، والحد من المبالغة في حفلات الزفاف، وتشجيع المبادرات المجتمعية التي تدعم الشباب، مع نشر الوعي بأن قيمة الإنسان ليست في رصيده البنكي، وإنما في دينه وأمانته وأخلاقه وقدرته على بناء أسرة مستقرة.

كما أن للأسرة دورا مهما في توجيه الأبناء والبنات إلى حسن الاختيار، بعيدا عن ضغوط المجتمع ومظاهر الاستعراض، ولوسائل الإعلام والمؤثرين مسؤولية في تقديم نماذج واقعية تُبرز أن السعادة الزوجية لا تُشترى بالمال، وأن أجمل البيوت قد تبدأ بإمكانات بسيطة، لكنها تبنى على المحبة والرحمة والتفاهم.

كلمة أخيرة

ليس المطلوب أن نحارب الرفاهية، ولا أن نرفض الطموح، ولا أن نقلل من أهمية الاستقرار المالي، فكل ذلك مطلوب. لكن المطلوب هو أن يبقى المال وسيلة لبناء الأسرة، لا أن يتحول إلى الشرط الذي يحدد من يستحق الزواج ومن لا يستحقه.

فالأسرة هي أساس المجتمع، وإذا أصبحت تكاليف تكوينها فوق قدرة معظم الشباب، فإن المجتمع كله سيدفع الثمن.

ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كم تكلف حفلة الزواج؟ بل: كم نخسر عندما يتحول الزواج من ميثاق رحمة إلى مشروع استثماري، ومن شراكة حياة إلى صفقة مالية؟

عندها فقط سندرك أن رحلة الزواج في زماننا أصبحت، في كثير من الأحيان، أطول وأشق من رحلة ابن بطوطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى