الكتاب

كيف تسرق حياة المشاهير سعادتنا؟ .. بقلم | سعد الغنام

بقلم | سعد الغنام

في لحظة فراغ عابرة، تمد يدك لجوالك بلا تفكير، فتستقبلك صورة لأحدهم في المطار يستعد لرحلة إلى وجهة سياحية فخمة، يتبعه شخص يصور سيارته الفارهة الجديدة ويستعرض تفاصيلها، ثم مقطع لمؤثرة تعرض حقيبتها التي تساوي راتب موظف لأشهر.

تمرر الشاشة مرة، مرتين، عشر مرات، وفي كل مرة تُغرس بداخلك فكرة صغيرة لا تشعر بها: أن هذا هو الشكل الذي يجب أن تبدو عليه الحياة الناجحة.

هذا هو الوجه الأكثر خداعاً لتأثير المشاهير والمؤثرين على مجتمعنا. الأمر لا يتعلق بمحتوى ترفيهي عابر نشاهده وننساه، بل بمنظومة كاملة تعيد تشكيل مفهومنا عن النجاح والسعادة والقيمة الذاتية، وتفعل ذلك بهدوء شديد، حتى نجد أنفسنا يوماً نقيس حياتنا بمقياس لم نخترْه أصلاً.

المشكلة تبدأ من كون هذا الترف المعروض ليس صورة كاملة للواقع. فخلف تلك الصور البرّاقة يعيش كثير منهم حياة مثقلة بمشاعر مصطنعة لا تمت للواقع بصلة.

لكن العين المجردة لا تفرّق بين اللحظة الحقيقية واللحظة المُصنَّعة للاستهلاك، فتتعامل مع كل ما تراه كحقيقة يجب مجاراتها، ومن هنا تبدأ السلسلة: نرى، فنقارن، فنشعر بنقص، فنستهلك لنعوّض ذلك الشعور، وتتكرر الدائرة.

وهذه الدائرة لها كلفة حقيقية وملموسة على أرض الواقع. خذ مثلاً موسم الأعراس عندنا: كثير من الشباب والأهالي اليوم يرون في جوالاتهم حفلات زفاف بميزانيات خيالية، فيجدون أنفسهم لاحقاً مثقلين بديون لأجل ليلة واحدة، لا لأنهم يقدرون عليها، بل لأنهم لا يريدون أن يبدو زفافهم “أقل” مما شاهدوه على الشاشة.

الأمر نفسه يتكرر مع من يستدين لشراء كماليات لا يحتاجها فعلياً، أو عائلة تجد نفسها مضطرة لتنظيم سفره تفوق ميزانيتها الحقيقية، فقط لتنشر صوراً تشبه ما اعتادت رؤيته.

مراهقون كثر باتوا يربطون قيمتهم الذاتية بعدد الأشياء التي يملكونها بدل ما يقدمونه أو يكونونه فعلاً. الأخطر من ذلك أن هذا النمط يغرس في الأجيال الأصغر سناً فكرة أن النجاح يُقاس بالاستعراض لا بالجهد، وأن الطريق الأقصر للتقدير الاجتماعي هو عرض ما تملك لا ما تنجزه.

الأمر لا يقف عند حدود الفرد. حين يصبح الاستهلاك المظهري قيمة مجتمعية سائدة، تتغير موازين كثيرة: الزواج يُقاس بفخامة الحفل لا بمتانة العلاقة، والنجاح المهني يُقاس بما يظهر على الشاشة لا بما يُبنى فعلياً على أرض الواقع، وحتى العلاقات الإنسانية تتلوث أحياناً بمنطق المقارنة والتنافس على المظاهر.

والوعي وحده كفيل بكسر هذا الفخ. فحين ندرك أن خلف كل صورة مثالية واقعاً مختلفاً تماماً، تبدأ سطوتها علينا بالتراجع تدريجياً.

الحياة الحقيقية هي تلك اللحظات البسيطة التي نعيشها كاملة دون حاجة لإثباتها لأحد: ضحكة صادقة مع صديق، إنجاز صغير أنجزناه بجهدنا، سكينة نشعر بها حين نطفئ الشاشة ونعود لأنفسنا.

فالمشكلة ليست في وجود الثراء أو الرفاهية بحد ذاتها، بل في أن نجعل من حياة لا نعرف تفاصيلها الحقيقية مقياساً لحياتنا نحن.

فذلك المشهور الذي يظهر بأبهى صوره قد يخفي خلف الكاميرا قلقاً أو فراغاً لا نراه، تماماً كما نخفي نحن تفاصيل حياتنا عن الآخرين.

والقناعة، مهما بدت كلمة بسيطة، تبقى أثمن ما يملكه الإنسان في زمن يُغرقنا بالمقارنة كل لحظة.

فالحياة البسيطة التي نعيشها بصدق مع أنفسنا ومع من نحب، تساوي أكثر بكثير من أي صورة برّاقة نراها على شاشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى