حين يصبح الحب معركة مع ظل .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي
من أصعب ما قد تعيشه المرأة أن تحب بكل ما تملك، ثم تكتشف أن قلب الرجل الذي تحب ما زال معلقا بامرأة أخرى.
ليست امرأة حاضرة بقوة في حياته، ولا امرأة غادرت نهائيا. بل ذلك النوع من الأشخاص الذين يبقون في المنتصف؛ غائبين بأجسادهم، حاضرين في الذاكرة. لا يمنحون الحب كاملا، ولا يتركون المجال لغيرهم ليملأ الفراغ.
كانت تحبه بصدق نادر. أحبته بكل ما في الحب من احتواء واهتمام وحرص. كانت تسأل عنه قبل أن يسأل، وتفرح لفرحه، وتحزن لحزنه، وتحاول أن تكون الأمان الذي يلجأ إليه كلما أثقلته الحياة.
وحين اكتشفت أن هناك امرأة أخرى تسكن جزءا من قلبه، لم يغضبها وجود منافسة بقدر ما أوجعها نوع هذا الوجود.
فتلك المرأة لم تكن حبيبة حاضرة تمنحه ما يحتاجه، ولم تكن غائبة تماما لينساها. كانت مجرد طيف يتردد في حياته بين حين وآخر. ذكرى تعود، أو شعور قديم يستيقظ، أو حنين يمر في قلبه دون استئذان. وكأنه يعيش بين واقع تمنحه له امرأة تحبه بإخلاص، وماضٍ لا يزال يمد خيوطه نحو قلبه.
كانت ترى نفسها تبذل كل ما تستطيع، بينما امرأة أخرى لا تبذل شيئا تقريبا، ومع ذلك تحتفظ بمكانها في أعماقه.
وهنا كان الألم.
ألم المرأة التي تدرك أنها حاضرة بكل مشاعرها، لكنها تنافس امرأة لا تحضر إلا كذكرى. تنافس صورة أكثر مما تنافس إنسانة. وتحارب مشاعر لا تستطيع لمسها أو مواجهتها.
كانت تسأل نفسها بصمت: ماذا ينقصني؟ لماذا لا يكفي كل هذا الحب؟ لماذا يبقى أثر امرأة لا تمنحه ما أمنحه أنا كل يوم؟
ولم تكن تجد إجابة.
لأن بعض القلوب لا تتعلق بمن أحبها أكثر، بل بمن ترك فيها أثرا لم يكتمل. فالأشياء الناقصة أحيانا تبقى أطول مما تستحق، والقصص غير المكتملة تستمر في الذاكرة أكثر من القصص الواضحة.
ومع ذلك، استمرت في حبه. لم تكن تبحث عن انتصار على أحد، بل كانت تبحث عن مكان صادق في قلبه. كانت تريد أن تشعر أنه ينظر إليها كما تنظر إليه، وأن حضورها يكفيه كما يكفيها حضوره.
لكن الحقيقة المؤلمة كانت أن الإنسان يستطيع أن ينافس شخصا آخر، أما أن ينافس ذكرى تسكن القلب، فهذه معركة لا قواعد لها.
ويبقى الجرح الأكبر حين تشعر المرأة أنها تمنح كل ما لديها، بينما تقف عاجزة أمام امرأة لا هي حاضرة بالكامل ولا هي غائبة بالكامل؛ امرأة تركت الباب مواربا، فظل قلب الرجل الذي تحبه عالقا بين الدخول والخروج، وبين الماضي والحاضر.
وهكذا وجدت نفسها تحمل ألما لا تعرفه إلا امرأة أحبت بصدق: أن تكون هي اليد التي تحتضن، والصوت الذي يطمئن، والقلب الذي يخلص، ثم تكتشف أن هناك ظلا آخر يشاركها المكان نفسه في قلب الرجل الذي تحب.
وما أقسى أن تمنح الحب كله، ثم تكتشف أن معركتك لم تكن مع امرأة حقيقية، بل مع ذكرى لا تزال تعيش في قلبه أكثر مما ينبغي.


