الكتاب

الجبيل.. مدينة خير منذ الأزل .. بقلم | سعد الغنام

بقلم | سعد الغنام

الجبيل لا تشبه غيرها. مدينة بدأت بالغوص في البحر بحثًا عن لؤلؤة، وانتهت بأن أصبحت هي اللؤلؤة.

عُرفت قديمًا بـ”عينين”. مدينة على الساحل، لكنها لم تكن يوما مدينة عادية، وسر ذلك لم يكن في موقعها ولا في بحرها، كان في أهلها. ناسٌ عُرفوا بالكرم قبل أن يُعرفوا بأي شيء آخر، يشاركون القليل قبل الكثير، ولا يعرف الغريب عندهم معنى الوحدة.

البحر لم يكن عندهم مجرد ماء، كان رزقًا وسفرًا وحكايات تتوارثها الأجيال. كانوا يقرؤون الموج ويعرفون متى ينزلون ومتى يصعدون، ويغوصون في الأعماق بلا أكسجين ولا معدات، فقط رئتان ممتلئتان بالأمل وحبل ممسوك بالأصابع. كانت تجارة اللؤلؤ هي شريان الحياة، وكان الطواشة من أهل الجبيل يحملون ما جمعوه إلى البحرين والهند ليبيعوه في أسواق الشرق، وكان البحر يعطي أحيانًا ويبخل أحيانًا، لكنه لم يخذل أهله يوما.

ثم جاء اليابانيون باللؤلؤ الصناعي، وانهار السوق. صمت البحر فجأة، أو هكذا بدا. ودّعت الجبيل حقبة كاملة من تاريخها، وبدت وهلةً كأنها تحتاج وقتًا لتلتقط أنفاسها. لكن من قال إن الجبيل تحتاج وقتًا طويلًا؟

في عام 1975م، صدر المرسوم الملكي بتأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع، وكان في نظر كثير من المراقبين الخارجيين مشروعًا طموحًا أكثر مما ينبغي. قالوا إن بناء مدينة صناعية متكاملة من الصفر على ساحل خليجي نائٍ ضرب من المستحيل. ووضع الأمير خالد بن عبدالعزيز حجر الأساس عام 1977م، وبدأ ما لم يصدقه أحد.

جاءت الهيئة الملكية ولم تبنِ مصانع فحسب، بنت مدينة. شوارع وأحياء ومدارس ومستشفيات ومرافق، كل شيء مخطط بدقة تليق بمشروع الدولة. وجاء الناس من كل مكان. سعوديون من مناطق مختلفة، ومهندسون من كوريا وأمريكا وبريطانيا، وعمال من جنوب آسيا، كلهم التقوا في مدينة تبنى أمام أعينهم وعلى أيديهم في الوقت ذاته. وبين هؤلاء جميعًا، نسجت الجبيل مجتمعًا لا يشبه غيره، من اجتمعوا على العمل فصنعوا من الغربة وطنًا صغيرًا.

ولم تنسَ الهيئة الملكية أن الإنسان هو الأصل. منذ عام 1978م، بدأت تدريب القوى العاملة السعودية، وتحوّل المركز لاحقا إلى كلية الجبيل الصناعية التي أخرجت أجيالًا من المهندسين والفنيين السعوديين الذين باتوا يديرون بأيديهم ما كان يديره يوما خبراء أجانب. لم تكتفِ الجبيل بأن تكون مصنعًا، أرادت أن تكون مدرسة.

واليوم تقف الجبيل الصناعية بمساحة تتجاوز ألف كيلومتر مربع، تحتضن صناعات البتروكيماويات والتكرير والأسمدة والحديد وصناعة السفن، وتُسهم بقرابة سبعة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. ومحطة تحليتها للمياه دخلت موسوعة غينيس كأكبر محطة تحلية في العالم وفي الجبيل، لا تقف الإنجازات عند حدود الأرقام، بل تمتد آثارها لتصنع مستقبل أجيال كاملة.

والمستقبل الذي تتجه إليه الجبيل اليوم لا يقل طموحًا عما بنته بالأمس. مع رؤية 2030، تتوسع المدينة نحو صناعات التقنية والاستدامة والطاقة المتجددة، وتفتح أبوابها لجيل سعودي جديد يحمل شهادات ويبحث عن فرص، فيجد في الجبيل ما يريد.

الجبيل كانت دائمًا مدينة خير. من البحر أخذت، ومن الأرض أخذت، ولم تبخل يومًا على من جاء إليها. وهذا وعدها للمستقبل أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى