ابن لعبون … حين عجز الشعر عن إنقاذ الحياة .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي
ليس كل شاعر يكتب عن الحب لأنه عاشه، فبعض الشعراء كتبوا عنه لأنهم فقدوه. ومن بين هؤلاء يقف الشاعر محمد بن لعبون شامخا في تاريخ الشعر النبطي، لا باعتباره شاعر غزل فحسب، بل إنسانا عرف كيف يتحول الوجع إلى قصيدة، وكيف يصبح الفقد ذاكرة لا تمحوها السنون.
تروي الروايات أن زوجته أصابها مرض اشتد عليها، ولم يكن أمامه إلا أن يشد الرحال بها إلى الحجاز، حيث كانت الرحلة آنذاك تعني أياما طويلة فوق ظهور الإبل، بين قيظ النهار ووحشة الصحراء. كان يحمل في قلبه أملا أكبر من الطريق نفسه؛ أملا بأن تعود إليه الحياة إذا شفيت المرأة التي كانت تمثل سكينته.
لكن الصحراء كانت أسرع من الأمنيات.
في منتصف الطريق، خبت أنفاسها قبل أن تبلغ مقصد العلاج. لم ينتصر المرض وحده، بل انتصر القدر. وجد ابن لعبون نفسه أمام أقسى امتحان يمكن أن يواجهه عاشق؛ أن يتحول من زوج يسابق الزمن لإنقاذ زوجته، إلى رجل يحفر لها قبرها بيديه في أرض غريبة، ثم يعود وحيدا، بينما بقي جزء من روحه مدفونا هناك.
لم يكن ذلك القبر في الحجاز مجرد نهاية لامرأة، بل بداية لحكاية حزن خالدة. فمنذ تلك اللحظة تبدلت نبرة الشاعر، وأصبح الرثاء عنده ليس وصفا للموت، بل حديثا مع الغياب. ولم تعد قصائده تبحث عن لقاء، بل عن ذكرى.
ومن أشهر أبيات المرثية التي قالها ابن لعبون في زوجته :
سقى غيث الحيا مزن تهامى
على قبر بتلعات الحجازِ
يعط به البختري والخزامى
وترتع فيه طفلات الجوازي
وغنّت راعبيّات الحمامِ
على ذيك المشاريفِ النوازي
صلاة الله مني والسلاما
على من فيه بالغفران فازي
لم يبدأ ابن لعبون قصيدته بالبكاء، بل بالدعاء.
دعا أن يسقي الله قبرها بالمطر، وأن تكسوه الأزهار، وأن تغرد فوقه الحمائم. وكأن قلبه لم يقبل أن يكون قبرها مكانا موحشا، بل أراده روضة يزورها الغيث وتؤنسها الحياة. إنها صورة شاعر لم يستطع أن يرد الموت، لكنه حاول أن يحيط من أحب بالدعاء والجمال حتى بعد الرحيل.
ولعل أجمل ما يلفت في شخصية ابن لعبون أن وفاءه لم يتوقف عند لحظة الدفن، بل امتد في شعره سنوات طويلة، حتى بدا وكأن الزمن تحرك من حوله بينما بقي قلبه واقفا عند ذلك القبر. كان المطر الذي يدعو الله أن يسقيه، والزهور التي يتمنى أن تنبت حوله، والحمام الذي يتخيله يغرد فوقه، كلها رسائل وفاء لا تصل إلى الأحياء، لكنها تبقى شاهدة على صدق المحبة.
هذه القصة تكشف جانبا آخر من ابن لعبون ، فالشاعر الذي عرف بالغزل لم يكن يكتب كلمات للهو أو الترف الأدبي، بل كان يمتلك قلبا شديد الحساسية، فإذا أحب أخلص، وإذا فقد بقي وفيا لذكراه. ولذلك بقيت قصائده تتردد على الألسنة، لأنها خرجت من تجربة إنسانية حقيقية لا من خيال شاعر يبحث عن قافية.
ربما لم يستطع ابن لعبون أن ينقذ زوجته من المرض، لكنه استطاع أن ينقذ ذكراها من النسيان. فهناك في تلعات الحجاز، حيث يرقد جسدها، ترك الشاعر قطعة من عمره، بينما عاد إلى الناس بجسد واحد، وقلب لم يعد كاملا كما كان.
وهكذا، لم تكن رحلة الحجاز رحلة علاج انتهت بالفشل، بل كانت الرحلة التي ولدت منها إحدى أكثر قصص الوفاء حضورا في الذاكرة الشعبية، لتؤكد أن بعض القصائد لا تكتب بالحبر، وإنما تكتب بالدموع.
واختم بأبيات تجسد وفاءه الذي لم يخفت رغم مرور السنين:
مضى بوصالها خمسة أعواما
وعشرٍ كنهنَّ حزّات حازي
بفقدي له ووجدي والغراما
تعلّمتْ النياحة والتعازي
وكلّ البيض عقبه لو تساما
فلا والله تسوي اليوم غازي


