كأس العالم والكرة المُهندسة .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
وأنا أتابع مباريات كأس العالم الحالية، عاد إليّ سؤال ظل يراودني منذ سنوات، لكنه بدا هذه المرة أكثر إلحاحاً، وهو: هل فقدت كرة القدم شيئاً من روحها؟ وهل تحولت من لعبة يصنعها اللاعب الموهوب إلى لعبة تصنعها المسطرة وأدوات الهندسة والبرمجيات؟
لا أقصد النتائج، ولا قوة المنافسة، ولا التطور البدني الذي لا يختلف عليه اثنان، بل أقصد تلك المتعة التي كانت تختبئ في قدم لاعب، في مراوغة غير متوقعة، أو تمريرة لا يفكر بها إلا صاحبها، أو قرار لحظي يقلب المباراة ويشعل المدرجات.
اليوم أشعر أن اللاعب أصبح جزءاً من منظومة دقيقة، يتحرك داخلها كما رسم له وليس بدافع إحساسه أو وفق مهارته.
فلكل خطوة مسار ، ولكل تمريرة غاية، ولكل مساحة واجب، حتى كأن الإبداع نفسه أصبح يحتاج إلى إذن أو تصريح مسبق قبل أن يظهر، وأصبح معيار التميز حجم عضلاته، وعدد الكيلومترات التي يقطعها.
ولعل هذا ما جعلني أسميها (الكرة المُهندسة)، حيث لم تعد الكرة اليوم تعتمد على اللمحة الفردية بقدر اعتمادها على منظومة يعمل كل جزء فيها بدقة، حتى غدت الموهبة مجرد رقم في معادلة حسابية، بعد أن كانت هي التي تصنع الفارق، بل وتكتب المعادلة نفسها.
وربما لهذا السبب لم نعد نشاهد ذلك اللاعب الذي يفرض شخصيته على المباراة مهما كانت تعليمات المدرب، ليس لأن المواهب اختفت، وإنما لأن مساحة الحرية التي كانت تصنع النجم تقلصت أمام اتساع مساحة الانضباط التكتيكي الصارم.
أحياناً أشاهد مباراة مكتملة من الناحية الفنية، ثم أنهي متابعتها دون أن يبقى في ذاكرتي مشهد واحد يستحق أن يُروى، وفي المقابل، ما زلت أتذكر مراوغة، أو تمريرة، أو هدفاً من مباريات مضى عليها عشرات السنين، لأنها خرجت عن المألوف، وتمردت على الرتابة ، ولم تكن مجرد تنفيذ مثالي لخطة آلية.
و على كل حال قد يكون الشكل الحالي هو الاتجاه الطبيعي لتطور اللعبة، لكن يبقى السؤال قائماً: هل كسبت كرة القدم المزيد من الكفاءة، وخسرت في المقابل سحرها ومتعتها؟
لا أملك إجابة قاطعة، ولذلك أتركها للقراء الكرام .. فقد أكون أنا ومن يتفق معي نبحث في اللعبة عن ذكرياتها أكثر مما نبحث عن مواطن تطورها ، أو نكون محقين فيما نشعر به.
فما قولكم دام فضلكم ؟



السلام عليكم
أستاذ محمد
مقال رائع جدا
ذهبت متعة كرة القدم ذهبت مع ذهاب الموهبة لم نعد نتذكر ذلك اللاعب الموهوب
أصبحت تعتمد على قوة الافتكاك وكثرة الأخطاء التي ذهبت بجمال رغم وجود الفآر
قراءة متوازنة لتحوّل كرة القدم الحديثة من لعبة تُصنع في قدم لاعب واحد إلى منظومة دقيقة تُدار بالتكتيك والبيانات والانضباط.
ويمكن رؤية هذا التحوّل بوضوح في تجربة منتخب البرازيل عبر الزمن؛ فالبرازيل القديمة كانت المثال الأوضح على ما يسميه الكاتب “المتعة المختبئة في قدم لاعب”.
جيل بيليه، زيكو، روماريو، رونالدو، رونالدينيو كانوا يصنعون لحظات لا يمكن التنبؤ بها، مراوغات وتمريرات وقرارات لحظية تتجاوز أي خطة، وتحوّل المباراة إلى عرض فني أكثر منه مواجهة تكتيكية.
أما البرازيل الحديثة، فهي نموذج للكرة “المهندسة” التي أشار إليها المقال؛ فريق منضبط، قوي بدنياً، يعتمد على التنظيم والضغط والسرعة، لكنه أقل جرأة في منح اللاعب حرية الارتجال. لم تعد البرازيل اليوم تصنع تلك اللقطات التي تبقى في الذاكرة لعقود، بل أصبحت أقرب إلى فريق أوروبي في أسلوب اللعب، يقدّم كفاءة عالية لكن بلمسة فنية أقل مما اعتدناه.
هذه المقارنة لا تنتقص من قيمة المنتخب الحالي، لكنها تُظهر بوضوح ما قصده الكاتب:
المتعة لم تختفِ، لكنها تغيّرت، وأصبحت أقل ارتباطاً بالإبداع الفردي وأكثر ارتباطاً بالمنظومة الجماعية.
طرحٌ هادئ، واقعي، ومتزن، يعكس براعة الكاتب الأستاذ محمد الغامدي في تحويل فكرة رياضية إلى تأمل إنساني يستحق القراءة.