الكتاب

​إليها.. هي … بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي 

​ثمة أشياء نظن أننا تجاوزناها، ثم نفاجأ بأنها ما زالت تقيم في أعماقنا، ويكفي خاطر عابر أو نسمة تحمل رائحة بعيدة لتوقظ تفاصيلها ولواهجها. فبعض العلاقات لا تنتهي بالفراق، بل تتحول إلى حضور صامت يرافقنا أينما مضينا.

​ولهذا أكتب إليكِ اليوم، لا لأستعيد ما مضى، فالماضي لا يعود، وإنما لأواسي ذلك الجزء مني الذي ما زال متعلقاً بكِ رغم تعاقب السنين.

​أعترف لكِ أنكِ ما زلتِ تسكنين داخلي فأنتِ حكاية طفولة ، كانت أيامها تمضي على مهل، غاية طموحنا فيها ضحكة بريئة، أو (جغمة) حليب مجفف ، أو شجرة لوز نتسلقها دون أن ينهرنا أحد.

​أتذكركِ حين كانت البيوت متداخلة كعائلة واحدة، أبوابها تُشرع مع تباشير الفجر ولا تُوصد إلا مع عسعسة الليل.. أتذكر ركضنا في الطرقات ونحن نمارس ألعابنا الطفولية كـ (المنش، والبرجون، والبربر ، والقٌطرة)، ونقود باعتزاز عربات السلوك، ( والدنانه ) ونتنافس في نصب (المناسب) وبناء أكواخ (الخريف)، حيث كانت كل لحظة تنبض بالفرح والحرية.

​كنا أنا وأنتِ نرقب أبناء المدن وهم يحلون صيفاً بملابسهم الناصعة وهيئاتهم الأنيقة، فنتودد إليهم بـ (خصلة) عنب، أو (هبشة غضاريف)، أو حفنة من المشمش، ونصغي إلى تمايز لهجتهم بدهشة وإعجاب، ثم لا نلبث أن نعود إلى دفء أرضنا حيث المدرجات الزاهية تعانق هامات الجبال، والمطر يرسم البهجة على الوجوه قبل أن يستحيل شلالاً ينساب على السفوح، وينبوعاً يهمس في منعطفات الوادي.

​يا (عراء)، قد ترهقنا أعباء المدن وتتشعب بنا السبل، لكنكِ تظلين الملاذ الذي لا يحتاج موعداً للعودة .. فكلما مرّ طيفكِ عاد بي العمر خطوات إلى الوراء، وما زال قلبي يخفق حنيناً إلى (طرق الجبل)، ونغمات (الطاحون)، وصدى أذان العم حمدان، غمره الله بواسع رحمته.

​فسلام عليكِ يمتد بامتداد السنين، وسلام على كل (جناب وصفح) شهد طفولتنا والتصق غباره بثيابنا الرثة، وكل (مسراب) حفظ خطونا وعبثنا ثم ضاع في زحام العمر، وكل (سدة) أظلّتنا فكانت لنا سقفاً منيعاً في مواجهة رتابة الأيام.
​وسلام على الوجوه الغالية التي غيبها الموت أو نأت بها دروب الحياة، وبقي أثرها متغلغلاً كأنه نقش محفور في (صفيانك) الراسخة.

​أما أنا، فسأمضي حيث تسير بي الحياة، لكن شيئاً منكِ سيظل عالقاً بكياني كظلٍ لا يفارق صاحبه .. في الذاكرة إذا استيقظت، وفي القلب إذا ضاق، وفي الحنين إذا اشتد.

وستبقين دائماً المكان الذي غادرته قدماي، ولم يغادرني.

والسلام ،،،

​المحب

أبنكِ الذي غادر سفوحك ولم تغادري قلبه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى