عمل الزوجة وأثره في النفقة الزوجية بين الحقوق والالتزامات .. بقلم المحامي د.عبداللطيف عبدالله الخرجي

بقلم المحامي د.عبداللطيف عبدالله الخرجي
تُعد النفقة الزوجية من الحقوق الأساسية التي كفلها الشرع ونظمها النظام، وقد أكد نظام الأحوال الشخصية في المملكة العربية السعودية هذا الأصل في المادة الرابعة والأربعين التي نصت على أن:
“نفقة كل إنسان في ماله، إلا الزوجة فنفقتها على زوجها ولو كانت موسرة.
ويُظهر هذا النص أن الأصل في النفقة أنها واجبة على الشخص من ماله، غير أن الزوجة استثناها المنظم من هذا الأصل، فأوجب نفقتها على زوجها ولو كانت تملك المال أو كانت ذات دخل مستقل أو تمارس عملاً يدر عليها دخلاً مالياً. ومن ثم فإن مجرد عمل الزوجة أو حصولها على راتب لا يؤدي بذاته إلى سقوط حقها في النفقة.
إلا أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، وازدياد مشاركة المرأة في سوق العمل، أثارت العديد من التساؤلات حول مدى تأثير عمل الزوجة على استحقاقها للنفقة، وهي مسألة تناولها الفقه الإسلامي بالتفصيل، وبحثها العلماء في ضوء العلاقة بين حق الزوج في الاحتباس والاستمتاع، وحق الزوجة في العمل والكسب المشروع.
فالأصل أن النفقة تجب للزوجة مقابل تمكينها زوجها من الحقوق الزوجية، ولذلك فإن خروج الزوجة للعمل لا يؤثر في نفقتها متى كان العمل مشروعاً ومأذوناً به، ولم يترتب عليه تفويت الحقوق الزوجية أو الإخلال بواجبات الحياة الأسرية.
ومن أبرز الصور التي لا تسقط فيها نفقة الزوجة العاملة أن تكون قد اشترطت ممارسة عملها المعتاد عند إبرام عقد الزواج، وقَبِل الزوج بذلك صراحة، ففي هذه الحالة يكون الزوج قد رضي بهذا الشرط ابتداءً، ويلتزم بما ترتب عليه من آثار، ما دام العمل مشروعاً ولا يؤدي إلى الإضرار بالحياة الزوجية أو استغراق جميع وقت الزوجة.
كما أن العمل الذي تمارسه المرأة داخل منزلها، سواء كان عملاً يدوياً أو مهنياً أو من خلال وسائل الاتصال الحديثة والعمل عن بُعد، لا يؤثر في استحقاقها للنفقة؛ لأن الزوجة في هذه الحالة لا تزال متفرغة لشؤون الحياة الزوجية ولم يفت الزوج شيء من حقوقه المقررة شرعاً.
وفي المقابل، ناقش الفقهاء حالات قد تؤثر في النفقة، ومن ذلك إذا كان العمل محرماً في ذاته أو مشتملاً على محظورات شرعية، أو كان يستغرق كامل وقت الزوجة بما يؤدي إلى فوات المقصود من الحياة الزوجية وتعذر استفادة الزوج من حقوقه المشروعة.
كما بحث الفقه الإسلامي مسألة خروج الزوجة للعمل دون إذن زوجها، وبيّن آثار ذلك وفقاً لاجتهادات المذاهب الفقهية المختلفة، ومنها ما قرره بعض فقهاء الحنابلة من أحكام تتعلق بتقدير النفقة بحسب مقدار التمكين الفعلي من الحقوق الزوجية.
وفي المقابل، توجد حالات لا يسقط فيها حق الزوجة في النفقة رغم خروجها للعمل دون إذن الزوج، كأن يكون العمل واجباً عليها وجوباً عينياً، أو إذا امتنع الزوج عن الإنفاق عليها أو عجز عن توفير كفايتها المعيشية، مما يضطرها إلى العمل لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتبرز أهمية الاتفاق المسبق بين الزوجين بشأن العمل وآثاره المالية؛ إذ يسهم وضوح الحقوق والالتزامات منذ بداية العلاقة الزوجية في الحد من النزاعات وتحقيق الاستقرار الأسري. كما أن التراضي بين الطرفين يظل من أهم المبادئ الحاكمة للعلاقة الزوجية ما دام في إطار الأحكام الشرعية.
وفي الختام، فإن عمل الزوجة لا يُعد سبباً مستقلاً لسقوط النفقة، خاصة في ظل النص النظامي الصريح الذي أوجب نفقتها على زوجها ولو كانت موسرة، وإنما تختلف الأحكام باختلاف طبيعة العمل وشروط عقد الزواج ومدى تأثير العمل على الحقوق الزوجية، الأمر الذي يستلزم النظر في كل حالة وفق ظروفها الخاصة تحقيقاً للعدل ومقاصد الشريعة في استقرار الأسرة وحفظ حقوق طرفيها.


