الشفاء يبدأ بقرار ، لا بذاكرة مثالية .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي
في عالم يزداد وعيه بأهمية الصحة النفسية والتوازن العاطفي، لا يزال كثير من الناس يعتقدون أن ماضيهم هو العامل الحاسم في مستقبلهم. فهناك من يحمل طفولته مسؤولية إخفاقاته، ومن يربط تعثره بتجارب عاطفية مؤلمة، ومن ينتظر أن تختفي آثار الجراح القديمة حتى يبدأ حياة جديدة.
لكن الحقيقة التي يؤكدها المختصون وتجارب الحياة على حد سواء هي أن الشفاء والنمو لا يتطلبان ماضيا مثاليا، بل قرارا حاضرا.
فليس هناك إنسان عبر الحياة دون أن يحمل شيئا من الخيبة أو الفقد أو الندم. الجميع لديهم قصص لم تكتمل، وأحلام تأخرت، وأشخاص رحلوا، وكلمات تركت أثرا عميقا في نفوسهم. ومع ذلك، فإن الفارق بين من يتقدم ومن يبقى أسيرا للماضي لا يكمن في حجم الألم، بل في طريقة التعامل معه.
إن انتظار ماض مثالي يشبه انتظار فصل من كتاب الحياة لم يكتب أصلا. فالكمال لم يكن يوما شرطا للنجاح، كما أن غياب الأخطاء ليس شرطا للنضج. بل إن كثيرا من الأشخاص الأكثر حكمة وقوة هم أولئك الذين تعلموا من جراحهم أكثر مما تعلموا من لحظات الراحة.
الشفاء الحقيقي لا يعني نسيان ما حدث، ولا إنكار المشاعر، ولا محو الذكريات. إنه القدرة على النظر إلى الماضي دون أن يسمح له بالتحكم في الحاضر. أن تتذكر دون أن تنكسر، وأن تتعلم دون أن تبقى عالقا، وأن تحمل الخبرة بدل أن تحمل العبىء.
أما النمو فهو قرار يومي. قرار بأن تبدأ رغم الخوف، وأن تثق بنفسك رغم الشكوك، وأن تمنح الحياة فرصة جديدة رغم التجارب السابقة. فالأشخاص الذين يصنعون التغيير في حياتهم ليسوا بالضرورة أولئك الذين امتلكوا ظروفا مثالية، بل الذين امتلكوا الشجاعة لاتخاذ خطوة جديدة.
ولعل أجمل ما في الإنسان أنه ليس أسير ما حدث له، بل صانع لما سيحدث بعد ذلك. فالماضي قد يفسر بعض ما نحن عليه، لكنه لا يحدد بالضرورة ما سنصبح عليه.
إن الحياة لا تسألنا كثيرا عن أخطاء الأمس، بقدر ما تسألنا عن خيارات اليوم. ولهذا فإن أعظم نقطة تحول في حياة أي إنسان تبدأ عندما يدرك أن الشفاء ليس حدثا ينتظره، بل قرار يتخذه. وأن النمو ليس هدية تأتي من الخارج، بل رحلة تبدأ من الداخل.
وفي النهاية، قد لا نستطيع تغيير ما حدث بالأمس، لكننا نملك دائما القدرة على اختيار ما سنفعله اليوم. وهنا تحديدا يبدأ الشفاء، ويبدأ النمو، وتبدأ الحياة من جديد.