الكتاب

المحترم الرقمي .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من حياة الناس، برزت ظاهرة تستحق التوقف عندها والتأمل في آثارها الاجتماعية والنفسية، وهي ظاهرة “المحترم الرقمي”. وهو ذلك الشخص الذي يظهر عبر حساباته الإلكترونية بصورة مثالية تجعله رمزا للأخلاق والرقي والإنسانية، بينما يختلف سلوكه على أرض الواقع بصورة تثير الاستغراب والتساؤل.

فالمتابع لهذا النوع من الشخصيات يرى منشورات مليئة بالحكمة، ورسائل تدعو إلى الاحترام والتسامح، وتعليقات تحمل عبارات التقدير والدعم للآخرين. ويبدو للناس وكأنه مثال للأخلاق الحسنة والتعامل الراقي، حتى إن البعض يضعه في مرتبة الأشخاص الملهمين الذين يُقتدى بهم.

غير أن الصورة تختلف تماما لدى من يعرفونه عن قرب. فهناك من يشتكي من سوء تعامله، أو من عصبيته المفرطة، أو من قسوته في الحديث، أو من افتقاره لأبسط مبادئ الاحترام التي يدعو إليها عبر حساباته. وقد يكون أكثر الناس حديثا عن الوفاء وهو أبعدهم عنه، وأكثرهم دعوة إلى حسن الخلق وهو أقلهم ممارسة له في حياته اليومية.

هذه الازدواجية تطرح سؤالا مهما: هل أصبحت بعض المنصات الرقمية مسرحا لصناعة الشخصيات الوهمية؟ فبضغطة زر يستطيع أي شخص أن يرسم لنفسه صورة مثالية لا تمت إلى واقعه بصلة، مستفيدا من حقيقة أن الجمهور لا يرى إلا ما يعرض أمامه، بينما تبقى التفاصيل الحقيقية مخفية خلف الشاشات.

إن الخطر في هذه الظاهرة لا يكمن فقط في تضليل المتابعين، بل في منح أصحاب الصور المزيفة مكانة اجتماعية لا تعكس حقيقتهم. فالكثير من الناس أصبحوا يقيمون الآخرين من خلال منشوراتهم وصورهم وعدد متابعيهم، متناسين أن الأخلاق لا تقاس بالكلمات المكتوبة، وإنما بالسلوك والمواقف والتعامل مع الناس في الحياة اليومية.

لقد أثبتت التجارب أن الشخصية الحقيقية للإنسان تظهر في تعامله مع أسرته وأقاربه وزملائه وجيرانه، وفي طريقة تعامله عند الاختلاف والغضب والمصالح، لا في المنشورات المنتقاة بعناية ولا في العبارات المنمقة التي تكتب بحثا عن الإعجاب والتفاعل.

والمؤسف أن كثيرا من الضحايا يقعون في فخ هذه الصور المثالية، فيبنون أحكامهم وثقتهم على شخصية إلكترونية مصطنعة، ثم يكتشفون لاحقا أن الواقع مختلف تماما. عندها تتبدد الصورة اللامعة وتنكشف الفجوة بين ما ينشر وما يمارس.

إن المجتمع اليوم بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمعيار جوهري طالما اعتمد عليه الناس في تقييم بعضهم بعضا، وهو المعاشرة. فكما يقول المثل العربي: “اسأل عن الإنسان قبل أن تسأل عن كلامه”. فالكلمات قد تزخرف، والصور قد تُجمّل، والمنشورات قد تُصنع بعناية، لكن الأخلاق الحقيقية لا يمكن إخفاؤها طويلا.

ويبقى الإنسان الصادق هو من تتطابق شخصيته في الواقع مع شخصيته في العالم الرقمي، فلا يحتاج إلى ارتداء قناع إلكتروني ليحصل على احترام الناس، لأن احترامه الحقيقي ينبع من أفعاله قبل أقواله، ومن أخلاقه قبل منشوراته.

فليس كل محترم على الشاشة محترما في الواقع، لكن كل محترم في الواقع سيبقى محترما أينما كان، سواء أمام الناس أو خلف الشاشات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى